الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
63
انوار الأصول
على ما هو المشهور بينهم بل المتسالم عليه من أنّ الجمل الخبريّة موضوعة لثبوت النسبة في الخارج أو عدم ثبوتها فيه ، وإنّ الجمل الإنشائيّة موضوعة لايجاد المعنى في الخارج الذي يعبّر عنه بالوجود الإنشائي . والصحيح أنّ الجملة الخبريّة موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والإخبار عن الثبوت أو النفي في الخارج ، ولم توضع للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه وذلك لسببين : أحدهما : إنّها لا تدلّ ولو ظنّاً على ثبوت النسبة أو عدمه مع قطع النظر عن حال المخبر ( من حيث الوثاقة ) وعن القرائن الخارجيّة مع أنّ دلالة اللفظ لا تنفكّ عن مدلوله الوضعي بقانون الوضع وإلّا لم يبق للوضع فائدة ، فإذا فرضنا أنّ الجملة بما هي هي لا تدلّ على تحقّق النسبة في الواقع ولا كاشفية لها عنه أصلًا ولو ظنّاً ، فما معنى كون الهيئة موضوعاً لها ؟ بل يصبح ذلك لغواً فلا يصدر من الواضع الحكيم . ثانيهما : إنّ الوضع عبارة عن التعهّد والالتزام النفساني ، ومن الواضح أنّ التعهّد والالتزام لا يتعلّقان إلّا بالفعل الاختياري ، إذ لا معنى للتعهّد بالإضافة إلى أمر غير اختياري ، وبما أنّ ثبوت النسبة أو نفيها في الواقع خارج عن الاختيار فلا يعقل تعلّق الالتزام ، به فالذي يمكن أن يتعلّق الالتزام به هو إبراز قصد الحكاية في الإخبار . والنتيجة : أنّ الجملة الخبريّة وضعت لإبراز قصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر . وأمّا الجملة الإنشائيّة فهي موضوعة لإبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية ، ولم توضع لايجاد المعنى في الخارج ، والوجه في ذلك هو إنّهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني فبطلانه من الضروريات . وإن أرادوا به الإيجاد الاعتباري كإيجاد الوجوب والحرمة أو الملكيّة والزوجيّة وغير ذلك ، فيردّه إنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم به . نعم اللفظ مبرز له في الخارج لا إنّه موجد له . ومن هنا يعلم إنّه لا فرق بينها وبين الجملة الخبريّة في الدلالة الوضعيّة والإبراز الخارجي : وإنّما الفرق بينهما في ما يتعلّق به الإبراز ، فإنّه في الجملة الإنشائيّة أمر نفساني لا تعلّق له بالخارج ، ولذا لا يتّصف بالصدق أو الكذب ، بل يتّصف بالوجود أو العدم ، وفي الجملة الخبريّة